امشِ عدة مبانٍ في أي اتجاه، وربما تقف فوق بركة خاملة بُنيت قبل خمسة عشر قرناً. بعضها مخفي تحت مقاهٍ مزدحمة. أخرى تفتح أبوابها الثقيلة لقلة من الزوار يومياً. عند الدخول، تختفي حرارة الشارع فوراً. أعمدة من الرخام ترتفع كجذوع أشجار في الضوء الخافت، وتتساقط قطرات الماء إلى آبار منسية. تذكرنا هذه المواقع بأن القسطنطينية احتاجت الماء العذب كما احتاجت الجدران العالية والكنائس الذهبية. في الفقرات التالية، سنترك خلفنا خزانة البازيليكا وننطلق إلى صمت ثلاث خزانات أقل شهرة لا تزال تتنفس تحت المدينة.
حول خزانات اسطنبول المخفية
قبل زمن المياه النقية، خطط الأباطرة لإنشاء أحواض حجرية ضخمة تحت القسطنطينية للحفاظ على المدينة خلال الحصار والجفاف. كانت القنوات تنقل مياه المطر والأنهار من التلال خارج الأسوار. خزانات حفظت الماء في الظلام البارد. كان أفضل مهندسي عصرهم يقيسون الأقواس، ويعدّون الآجر، ونحتوا تيجاناً من الرخام تتحمل الوزن بعد خمسة عشر قرناً. اليوم يقف بعض هذه الخزانات مفتوحة أمام العيون الفضولية. كل واحد منها يحكي فصلاً من تاريخ المدينة الطويل.

المهندسون القدماء في العمل
المهندسون الأوائل استخدموا الطوب والملاط مع خليط من الطين، وطبقات سماكة من الطلاء المقاوم للماء. الأعمدة المعاد استخدامها من معابد أقدم وفرت الوقت والمال. غابة من الأعمدة توزع الحمل كي تتحمل الأرض أثناء الزلازل.
حياة الخزان
كان الماء يدخل عبر قنوات ضيقة، ويرسُب ليترك الطمي يهبط، ثم ينتقل عبر أنابيب من الطين. كانت المصابيح تُعلق فوق الممرات لحراس يراقبون المستوى ليلاً. في أزمنة الطاعون أنقذت مياه جديدة من هذه الخزانات أحياء كاملة. اقرأ هنا تاريخ خزانة البازيليكا لفهم أعمق لمجمل تاريخ الخزانات.
إعادة الاكتشاف والترميم
صمتت العديد من الخزانات بعد فتح العثمانيين. ارتفعت المحلات فوقها. تحولت بعض الخزانات إلى مخازن أو ورش حرير. التنقيبات الحديثة في الستينيات ومشاريع المدينة الأخيرة أعادت تنظيف الجدران، تقوية الأعمدة، وإضافة إضاءة خافتة حتى يرى الزوار بدون الإضرار بالحجر.
لماذا تزور اليوم
الصمت تحت الشوارع يمنح راحة نادرة من ضجيج المدينة. الهواء البارد يمر فوق سطح الماء الواقف. الضوء يرقص على الأقواس الطوبية. قف في Binbirdirek وعدّ الأعمدة، أو شاهد عرض ليزر يتلاعب بسطح الخزان عند Şerefiye. هذه الأماكن هي متاحف الهندسة المعمارية والمرونة في آن واحد.
الخزانات واحداً تلو الآخر
في الأسفل ثلاث خزانات تحت الأرض تحمل طابعها الخاص. أحدها يتوهج بإضاءة حديثة، وآخر خامٌ وواسع، وآخر يختبئ في العلن تحت متجر سجادة. زيارة الثلاثة تستغرق أقل من نصف يوم وتظهر كيف يمكن لمدينة واحدة أن تحمل وجوه متعددة.

خزانة Şerefiye (خزانة ثيودوسيوس)
امشِ مسافتين غرباً من الهيبودروم، ويظهر المدخل مكعب زجاجي صغير. المصعد ينقلك إلى قاعة بنيت للإمبراطور ثيودوسيوس الثاني في القرن الخامس. ممشّات ناعمة تعبر سطحاً مائياً صافياً؛ كل ثلاثين دقيقة يتحول الجدار إلى شاشة لعرض ضوئي لمدة اثني عشر دقيقة ترسم فسيفساء بيزنطية عبر قبو الطوب. يبقى متحف خزانة شريفييه مفتوحاً يومياً من التاسعة صباحاً حتى السابعة مساء، والهواء البارد ينعشك كما لو كان تكييفاً طبيعياً في يوم صيفي.

خزانة بنبرديرك (خزانة فيلكسْينوس)
ادخل من باب غير موضح قرب ساحة السلطان أحمد، وتحيطك أعمدة كغابة حجرية. بُنيت في القرن الرابع، كان هذا الخزان يحوي أربعين ألف طن من الماء. اليوم الأرضية جافة، والسقف الطوبي يرتفع نحو قرابة أربعة عشر متراً، وتعلو أصوات عروض فنية أو أمسيات موسيقية بين 224 عموداً. قد تصادف عرض رقص صوفي دوّار أو ليلة جاز معلنة عند المدخل. حتى وإن كان الخزان فارغاً، فإن صمت المكان يترك أثره الدرامي.

خزانة Nakilbent Nakkas
على مسافة قصيرة نحو السوق الكبير، يفتح كاتب متجر السجاد باباً إلى الأسفل. سلم واحد يؤدي إلى حجرة صغيرة من القرن العاشر مضاءة بمصابيح مركزة. قطع من الزجاج الروماني وزجاجات عطور صغيرة تقف في عروض على الجدران. الزيارة مجانية، لكن من الجيد إلقاء نظره على السجاد في الأعلى. ساعات العمل تتبع المحل، تقريباً من 10 صباحاً إلى 6 مساءً، وغالباً ما يتجاوزها السياح بدون معرفة بوجودها.
افتح خزانتين ومدينة كاملة مع Istanbul Tourist Pass®
عند الانتهاء من التجوال في النور الخافت من Şerefiye وBinbirdirek، احتفظ بهاتفك جاهزاً. يتيح Istanbul Tourist Pass® الدخول مباشرة بدون انتظار مع دليل صوتي لـ خزانة شريفييه (Theodosius) وخزانة البازيليكا الشهيرة عالمياً. ما عليك سوى مسح رمز QR عند الباب والدخول إلى الهدوء البارد بينما تتوالى القصص في أذنك.

هاتان الخزانتان ليستا سوى البداية. الباس يجمع أكثر من 100 معلم وخدمة في المدينة، بما في ذلك أدلة صوتية لآيا صوفيا، رحلات بحر البوسفور، ونقل من وإلى المطار، وكلها ضمن البطاقة نفسها.
اقضِ صباحك بين الأقواس القديمة، وتناول فنجاناً من القهوة التركية، ثم تابع استكشافك بلا الحاجة لفتح محفظتك. فالحجارة قديمة بنحو خمسة عشر قرناً، لكن أسهل طريقة للدخول إليها هي نقرة واحدة فقط في جيبك.